الحاكمية بين سيد قطب ونصر ابوزيد صراع في الصياغات ….الفصل الثاني
الحاكمية والتكفير عند سيد قطب
تعريف الحاكمية :
أولاً : حقيقة الحاكمية في اللغة , و الاصطلاح :
أ . حقيقة الحاكمية في اللغة :
الحاكمية: مشتقه من الفعل: (حكم) , وتأتي علي عدة معان ؛ منها:([1])
•1. القضاء , و منه حكم بين القوم , إذا قضى بينهم و فصل الأمر ؛ ومنه قوله تعالى:﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾([2])
•2. العلم و الفقه ؛ ومنه قوله تعالى:﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾([3]) , أي علماً وفقهاً .
•3. المنع و الرد ؛ يقال: حكمت الدابة , و أحكمتها , أي: منعتها بالحكمة ؛ و لذلك يقال : للحاكم بين الناس حاكم ؛ لأنه يمنع الظالم من الظلم .
•4. الإتقان , يقال: أحكمت الشيء إذا أتقنته , و الحكم : متقن للأمور .
ب . حقيقة الحاكمية في الاصطلاح :
عرف العلماء الحاكمية بتعريفات متعددة , تتفق في مفهومها , و تختلف في ظاهرها بزيادة قيد أو شرط , كما يلي :
•1. عرف ابن أميرالحاج الحاكمية بأنها:" الحكم علي الأفعال والأشياء من حيث الثواب والعقاب ".([4])
•2. عرف السبكي الحاكمية بأنها: " حكم الشرع دون العقل ".([5])
•3. عرف الآمدي الحاكمية بأنها :" طاعة الله وحده , و الالتزام بأوامره , ولا طاعة و لا التزام بأمر أحد إلا بأمر الله ".([6])
•4. عرف سيد قطب الحاكمية بأنها :" إفراد الله سبحانه بالإلوهية , والربوبية , والقوامة , و السلطان ؛ إفراده بها اعتقاداً في الضمير , وعبادة في الشعائر , وشريعة في واقع الحياة ".([7])
•5. عرف زيدان الحاكمية بأنها :" مصدر السلطات في الشريعة الإسلامية و هو الله تعالى" .([8])
التعريف المختار:
بالنظر في التعريفات السابقة يظهر أن التعريف المختار للحاكمية هو ما ذهب إليه الآمدي وهو :" طاعة الله وحده , و الالتزام بأوامره , ولا طاعة و لا التزام بأمر أحد إلا بأمر الله " .
ثانياً: مشروعية الحاكمية , والحكمة من مشروعيتها :
•1. مشروعية الحاكمية:
ثبتت مشروعية الحاكمية في القرآن , و السنه , و الإجماع , كما يلي :
• أ- القرآن الكريم :
وردت آيات كثيرة توجب الحكم بما أنزل الله , و التحاكم إليه , وبيان التحذير من التحاكم إلى الطاغوت , و منها:
•1. قال تعالى:﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾([9])
وجه الاستدلال:
قرر الله عز و جل اختصاصه و تفرده بالحكم في هذه الآية , فبين أن لا حكم لسواه من الخلق , وليس لأحد أن ينازعه في الحكم و التشريع, فدلت الآية علي مشروعية الحاكمية .
•2. قال تعالى:﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾([10])
وجه الاستدلال:
يقسم الله عز وجل بنفسه المقدسة , أنه لن يتحقق الإيمان للمسلمين حتى يحكموا النبي صلي الله عليه وسلم فيما اختلفوا فيه , ثم يقبلوا بما حكم به , ويسلموا لحكمه تسليماً تاماً , و هذا فيه دليل علي مشروعية الحاكمية لله .([11])
•3. قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾([12])
وجه الاستدلال:
تضمنت الآية خطاباً للشعب , أو الرعية بطاعة الله و رسوله , و أولي الأمر منهم , و خطاباً للسلطة الحاكمة و الشعب , في حال الاختلاف , في جعل كتاب الله و سنة رسوله حكماً بينهما , و هذا دليل علي مشروعية الحاكمية.([13])
•4. قال تعالى:﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾([14])
وجه الاستدلال:
الآية السابقة فيها دليل علي وجوب الحاكمية لله عز وجل .
هذه التعاريف والمصطلحات وأوجه الاستدلال أخذناها لطالب في إحدى المدارس الثانوية الفلسطينية . هكذا كتب في بحثه الدراسي هل تحس من فرق بينه وبين سيد قطب في طرح الحاكمية . ياترى لو كان سيد قطب في محل هذا الطالب والطالب في محله آنذاك في مصر هل نتفاجأ حينئذ بان الطالب سيعدم بقرار جمهوري و يعيش سيد قطب في قرية يكتب عن أفراح الروح والظلال الى آخر جزء منه ربما بقى في ذهنه لم يفصح عنه !!
سيد قطب بين الحاكمية والتكفير
رؤية سيد قطب للحاكمية :
رؤية سيد قطب للتوحيد والحاكمية وعلاقة بعضهما مع بعض وإليك نماذج يسيرة ومختصرة لهذا المفهوم الذي تحول الى صراع واقعي دامي بين الدولة وبعض الحركات الاسلامية :
التوحيد والحاكمية بنص سيد قطب في تفسيره الظلال :
(… هذه الوحدانية الحاسمة الناصعة هي القاعدة التي يقوم عليها التصور الإسلامي؛ والتي ينبثق منها منهج الإسلام للحياة كلها . فعن هذا التصور ينشأ الاتجاه إلى الله وحده بالعبودية والعبادة . فلا يكون إنسان عبداً إلا لله ، ولا يتجه بالعبادة إلا لله ، ولا يلتزم بطاعة إلا طاعة الله ، وما يأمره الله به من الطاعات . وعن هذا التصور تنشأ قاعدة : الحاكمية لله وحده . فيكون الله وحده هو المشرع للعباد؛ ويجيء تشريع البشر مستمداً من شريعة الله ) البقرة/253
(… إن وجود هذا الدين هو وجود حاكمية الله . فإذا انتفى هذا الأصل انتفى وجود هذا الدين . . وإن مشكلة هذا الدين في الأرض اليوم ، لهي قيام الطواغيت التي تعتدي على ألوهية الله ، وتغتصب سلطانه ، وتجعل لأنفسها حق التشريع بالإباحة والمنع في الأنفس والأموال والأولاد . . وهي هي المشكلة التي كان يواجهها القرآن الكريم بهذا الحشد من المؤثرات والمقررات والبيانات ، ويربطها بقضية الألوهية والعبودية ، ويجعلها مناط الإيمان أو الكفر ، وميزان الجاهلية أو الإسلام .
إن المعركة الحقيقية التي خاضها الإسلام ليقرر « وجوده » لم تكن هي المعركة مع الإلحاد ، حتى يكون مجرد « التدين » هو ما يسعى إليه المتحمسون لهذا الدين! ولم تكن هي المعركة مع الفساد الاجتماعي أو الفساد الأخلاقي - فهذه معارك تالية لمعركة « وجود » هذا الدين! . . لقد كانت المعركة الأولى التي خاضها الإٍسلام ليقرر « وجوده » هي معركة « الحاكمية » وتقرير لمن تكون . . لذلك خاضها وهو في مكة . خاضها وهو ينشئ العقيدة ، ولا يتعرض للنظام والشريعة . خاضها ليثبت في الضمير أن الحاكمية لله وحده؛ لا يدعيها لنفسه مسلم؛ ولا يقر مدعيها على دعواه مسلم . . فلما أن رسخت هذه العقيدة في نفوس العصبة المسلمة في مكة ، يسر الله لهم مزاولتها الواقعية في المدينة . . . فلينظر المتحمسون لهذا الدين ما هم فيه وما يجب أن يكون . بعد أن يدركوا المفهوم الحقيقي لهذا الدين!) الأنعام/136
(… ذلك لم يبدأ المنهج الإسلامي في علاج رذائل الجاهلية وانحرافاتها ، من هذه الرذائل والانحرافات . . إنما بدأ من العقيدة . . بدأ من شهادة أن لاإله إلا الله . . وطالت فترة إنشاء لا إله إلا الله هذه في الزمن حتى بلغت نحو ثلاثة عشر عاماً ، لم يكن فيها غاية إلا هذه الغاية! تعريف الناس بإلههم الحق وتعبيدهم له وتطويعهم لسلطانه . . حتى إذا خلصت نفوسهم لله؛ وأصبحوا لا يجدون لأنفسهم خيرة إلا ما يختاره الله . . عندئذ بدأت التكاليف - بما فيها الشعائر التعبدية - وعندئذ بدأت عملية تنقية رواسب الجاهلية الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والأخلاقية والسلوكية . . بدأت في الوقت الذي يأمر الله فيطيع العباد بلا جدال . لأنهم لا يعلمون لهم خيرة فيما يأمر الله به أو ينهى عنه أياً كان!
أو بتعبير آخر : لقد بدأت الأوامر والنواهي بعد « الإسلام » . . بعد الاستسلام . . بعد أن لم يعد للمسلم في نفسه شيء . . بعد أن لم يعد يفكر في أن يكون له إلى جانب أمر الله رأي أو اختيار .) المائدة/87
الأنداد
قال تعالى [فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون )
(…تعلمون أنه خلقكم والذين من قبلكم . وتعلمون أنه جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء . وأنه لم يكن له شريك يساعد ، ولا ند يعارض . فالشرك به بعد هذا العلم تصرف لا يليق!
والأنداد التي يشدد القرآ
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ